ياسر عبد الحسين  ياسر عبد الحسين

آخر المقالات

جاري التحميل ...

التحالفات الدولية السائلة





د. ياسر عبد الحسين 


 يشهد النظام العالمي اليوم حالاً من السيولة لم يعرفها منذ قرون. 

غير أن العبرة لا تكمن في توصيف هذا المشهد المتحرك وغير الراكد فحسب، بل في كيفية تصرّف الدول داخله: هل تتصرّف كالقنافذ أم كالثعالب؟

يرى جون لويس غاديس، في كتابه «On Grand Strategy»، أن القنافذ تربط كل شيء برؤية مركزية واحدة، وعبرها تفسّر ما تقوله وتفعله، فيما تسعى الثعالب، على العكس من ذلك، وراء غايات متعددة ومختلفة، غالباً ما تكون غير مترابطة، بل متناقضة أحياناً. ويرى أن الثعالب أكثر كفاءة في التنبؤ من القنافذ، لأنها تعتمد على الربط الحدسي بين مصادر معلومات متنوعة، لا على استنتاجات مستمدة من استراتيجيات كبرى ومغلقة.

ولأن «كل شيء مرتبط بكل شيء آخر»، كما يقول تولستوي، فإن هذه الاستعارة تعود في جذورها إلى ما سبق أن أشار إليه أمير فلورنسا، نيقولو مكيافيلي، حين خيّر الأمير بين الأسد والثعلب، قائلاً إن الأسد لا يستطيع حماية نفسه من الشراك، ولا الثعلب من الذئاب؛ ولذلك ينبغي للحاكم أن يكون ثعلباً ليدرك الشراك، وأسداً ليخيف الذئاب. ويؤكد مكيافيلي، ناصحاً الأمير، أنه «لا ينبغي له أن يفي بوعده إذا كان الوفاء به يضرّه، وإذا زالت الأسباب التي دفعته إلى التعهد به».

ومن هنا، فإن موضوع انهيار التحالفات وعدم موثوقيتها ليس جديداً، ويمكن الاستدلال عليه بكمّ هائل من المعاهدات الدولية التي فقدت فعاليتها بسبب انعدام الثقة وتبدّل المصالح. لذلك، فإن الاستراتيجية الناجحة تتطلب القدرة على التكيّف ومواءمة الأهداف المتعددة، وهو ما يعني، غالباً، الدخول في تحالفات غير متوقعة، ومغادرة التزامات الأمس سريعاً فور تبدّل البيئة الإقليمية.

وإذا كان عالم الاجتماع زيغمونت باومان قد وصف اختفاء البنى والمؤسسات التقليدية التي كانت تشكّل الأسس المتينة للمجتمعات الحديثة، وكيف انتقلت هذه المجتمعات من «حداثة صلبة» إلى «حداثة سائلة»، فإن العلوم السياسية تستعير هذا المفهوم للحديث عن الأشكال المتغيرة للديبلوماسية والعلاقات الدولية، بما في ذلك التحالفات.

لقد خلع النظام الدولي جانباً من التكلسات التي أصابت مفاصله بفعل الجمود القديم، وتحول جزء كبير من كتلته الصخرية الثابتة إلى حال من السيولة. وبدأت قلاع هذا النظام، التي كانت جدرانها الصلبة تتمثل في الأحلاف العسكرية الدائمة، وأعمدتها في القوى الكبرى، تتصدع تحت وطأة زلزال الأحداث، حتى بدا هذا البناء الإسمنتي أشبه برمال جيوسياسية متحركة. وأصبحت الدول المتوسطة وشبه المتوسطة لا تبحث عن عقد زواج أبدي مع القوى الكبرى، بل عن عقود قصيرة الأجل، تشبه شراكات «المهمة الواحدة» التي تنتهي بانتهاء الغرض الذي أُنشئت من أجله.

ولأن الالتزامات الاستراتيجية السابقة أصبحت، في كثير من الأحيان، أشبه بحبر سريع الذوبان، أدركت دول إقليمية كثيرة أن الاستناد إلى جدار القوى الكبرى يشبه الاستناد إلى سراب يتلاشى عند أول أزمة داخلية أو انتخابات في تلك الدول. وكأننا أمام سيولة ديبلوماسية، أو حال يمكن تسميتها بـ«اليُتم الاستراتيجي»، حيث لم يعد هناك شرطي عالمي موثوق، ولا مظلة حماية ثابتة تقي من تقلبات البيئة الدولية.

بدأت الدول، أمام هذه السيولة الديبلوماسية الباردة، تشعر بأنها بحاجة إلى دفء الإقليم. وكأنها توقفت عن النظر إلى السماء المثالية انتظاراً لطائرات الإنقاذ القادمة من وراء البحار، وبدأت تنظر، عن قرب، في عيون جيرانها بواقعية براغماتية حذرة. فقد أدركت أن أمن البيت لا يحميه غريب متقلب، بل قد يحميه أهل الحي، وإن اختلفوا سابقاً. وهكذا تعزف الدول الإقليمية ألحاناً أمنية واقتصادية متغيرة، تتداخل فيها المصالح وتفترق، وتعتمد فيها على شراكات بينية مرنة، في محاولة للنجاة وسط عالم يتداعى.

وهكذا، كلما ازدادت سيولة النظام العالمي، تحوّل عامل المصلحة من حال الثبات الاستراتيجي إلى النفعية المؤقتة، وبالتالي تتراجع فاعلية الأحلاف العابرة للقارات، وإن كانت صورتها الدولية لم تنتهِ نهائياً.

وفي المقابل، ثمة محاولات جادة نشهدها في الوقت الراهن لولادة «تحالفات القضية الواحدة»، وهي تحالفات تشبه الائتلافات المؤقتة. وإن كان من المستبعد أن يؤسس ذلك قدراً كبيراً من الثبات الاستراتيجي، فإن التحالف الحقيقي لا يُبنى بالنصوص المكتوبة وحدها، بل عبر آليات تنفيذ واضحة، وقنوات اتصال فاعلة، وثقة متبادلة في اتخاذ القرار ضمن شراكة حقيقية لا صورية.

وهذه النوعية من التحالفات ليست ظاهرة حديثة. فقد وصف هنري كيسنجر الكاردينال الفرنسي ريشيليو بأنه أحد آباء النظام السياسي الحديث، انطلاقاً من إعلائه مصلحة الدولة بوصفها المعيار الذي قد يبرر الوسائل المستخدمة لتحقيقها. وبذلك قدّم نموذجاً مبكراً للتحالفات السائلة، حين أقام، وهو كاردينال كاثوليكي، تحالفاً مع القوى البروتستانتية ضد إمبراطورية هابسبورغ الكاثوليكية، من أجل منع تطويق فرنسا وحماية أمنها القومي. وهو ما منح التحالفات، منذ ذلك الحين، طابعاً قابلاً للتبدل تبعاً للمصلحة.

وكذلك شهدت أوروبا عام 1756 ما عُرف بـ«الثورة الديبلوماسية»، حين انقلبت التحالفات التقليدية رأساً على عقب؛ فتحالفت فرنسا مع النمسا، عدوّتها التاريخية، في مواجهة بروسيا وبريطانيا، في إطار من توازن القوى المرن الذي يتغير وفقاً للمصالح.

أمّا في العصر الحالي، فلم تعد الدول تمتلك القدرة أو الرغبة في دفع فواتير التحالفات الصلبة التقليدية، التي تقوم في الأصل على تجميع الموارد العسكرية والقدرات الاقتصادية ضمن التزامات طويلة الأمد. ويُلاحظ أن السياق الجديد يسمح بالتعاون والتنافس في آن واحد. وكما يرى الواقعي ستيفن والت، انطلاقاً من نظريته في «توازن التهديد»، فإن الدول لا تتحالف لمجرد موازنة القوة المادية، بل لموازنة التهديدات التي تتصورها وتستشعرها. وربما يمكن تسمية ذلك اليوم بـ«توازن الاعتمادية»، من أجل كسب هامش أوسع للمناورة، ولا سيما أن العلاقات مع القوى الكبرى لا تزال ذات صلة ومؤثرة.

ربما لا تجمع مصر والسعودية وباكستان وتركيا، مثلاً، رؤية مشتركة حيال مختلف القضايا الإقليمية، وهذا لا يعني بالضرورة أن تلك الدول، وغيرها، تشكل محوراً واحداً متماسكاً. لكن دلالة تقاربها وتحالفاتها الجزئية تكمن في التعبير عن حال السيولة التي تدفعها إلى البحث عن هامش نوعي من الاستقلال النسبي. وهي ظاهرة أقرب إلى أن تكون نتيجة حتمية لتحولات الحرب في المنطقة. وقد يُشكك في واقعيتها بسبب تفاوت الموارد والإمكانات ومستويات القدرة على المساهمة، إلا أنها تمثل، في أحد وجوهها، خطوة لإظهار شخصية استراتيجية مستقلة، أكثر من كونها قدرة مكتملة على مواجهة جميع المشكلات والتحديات.

وبالعودة إلى الاستعارة الرياضية، غالباً ما يتخيّل البعض أن السياسة الدولية تشبه رقعة الشطرنج، يدرس فيها اللاعبون خطواتهم بعناية، ويتنبؤون بردود الأفعال، ويسعون إلى السيطرة على مجريات الأحداث. لكن الشرق الأوسط، كما يصفه البعض، أقرب إلى لعبة الطاولة منه إلى الشطرنج؛ إذ تمتزج فيه الحسابات المنطقية بعوامل الصدفة والصدمات. فحتى لو صاغ اللاعب أفضل خطة ممكنة، فإن رمية النرد قد تقلب مسار اللعبة رأساً على عقب.

مثلاً، ظهر بنيامين نتنياهو في صورة وعلى مكتبه كتاب «Allies at War» للمؤرخ تيم بوفري، في محاولة، ربما، للبحث عن نموذج لتحالفات حديدية هزمت الفاشية والنازية ذات يوم، وإسقاط ذلك التاريخ على حاضره المأزوم. لكن ما قد يغيب عن هذا التصور هو أن تلك التحالفات الصلبة التي يبحث عنها لم تعد قابلة للاستنساخ في عالم اليوم. فحين يُغلق كتاب التاريخ، يجد أمامه واقعاً مغايراً، مليئاً بالتصدعات السياسية والتحولات الأخلاقية التي تعصف بأركان تحالفاته القديمة، في زمن لم تعد فيه الوعود صلبة، وأصبح فيه حتى بعض الحلفاء الذين بدوا ثابتين في الماضي عبئاً استراتيجياً في الحاضر.

بات من الواقعي القول إن التحالفات الصلبة، بالمعنى التقليدي للكلمة، لم تعد هي القاعدة. وسوف نكون أمام سلسلة من التحالفات التي لا تقوم بالضرورة على مشروع مشترك طويل الأمد، بل على الخوف المتبادل، وعدم اليقين، والحاجة إلى إدارة المخاطر. ولهذا قد تتحد جهات كانت على خلاف، فيلتقي خصوم الأمس في مسارات التعاون، فيما قد تتصادم، في المقابل، مصالح حلفاء اليوم في ميادين تنافس مختلفة.

إنها تحالفات تتشكل وتتفكك وفق إيقاع متغير، وتحكمها براغماتية سائلة وتوقيت خاص بساعات الشرق الأوسط، في زمن توقفت فيه عقارب اليقين الجيوسياسي، وحلّت مكانها تحالفات الإرادة والمصلحة المؤقتة، بفعل تعدد التهديدات وتشابك المصالح الاقتصادية وغياب الضمانات الثابتة.


جريدة الاخبار اللبنانية 

عن الكاتب

د.ياسر عبد الحسين

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

ياسر عبد الحسين