ياسر عبد الحسين  ياسر عبد الحسين

آخر المقالات

جاري التحميل ...

رماد العشق فوق كراسي الحكم: قراءة في رواية"تراب سخون" لأميرة غنيم

 د. ياسر عبد الحسين




يقول الأديب الكبير «ميلان كونديرا» بأن الروائي ليس مؤرخاً ولا نبيّاً، هو مستكشف للوجود، فهو يتبنّى مقولة «هرمان بروخ» بان المبرر الوحيد للرواية أن تكتشف ما لا يكتشفه غيرها، وهكذا يعبر بأن السرد الروائي الذي لا يفتح منطقة مجهولة من الوجود غير أخلاقي، والمعرفة هي أخلاق الرواية الوحيدة.
لسنواتٍ ظننت الرواية ترفاً فكرياً وحكايات صالونات، حتى دخلت هذا العالم، فاكتشفت أنها البوابة السرية لفهم المجتمعات، وأنها أحياناً تقول ما لا يجرؤ المؤرخون وأصحاب الاختصاص على قوله.
قرات مذكرات السفير التونسي «الحبيب نويرة» بعنوان «يوميات دبلوماسي في الوطن العربي»، الذي يشكّل وثيقة تاريخية هامة توثق مسيرته الطويلة في السلك الدبلوماسي التونسي، وتحديداً الحقب الحساسة التي قضاها سفيراً وقائماً بالأعمال في بغداد، ومر على ذكر زوجة الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة «وسيلة بن عمار»، وكيف زارت العراق في الستينات وكذلك صورتها وهي ترتدي العباءة العراقية في كربلاء.
كانت رواية الدكتور اميرة غنيم «تراب سخون» الصادرة عن دار مسكلياني فرصة للتعرف على «وسيلة» الشخصية التاريخية التي حُملت على الأكتاف ثم رُميت في الظل، والاطلاع على الانسانة قبل زوجة الرئيس، العاشقة، المتآمرة، السيدة الأولى، المطلّقة الغيابية، من غرفة نوم السلطة، ومن قفّة امرأة تحمل في طريقها إلى المنستير ما تبقّى من حبّ ومن سرّ.
وكأننا ندخل متحف حيّ لشخصيات تونسية في صدارتها الزعيم بورقيبة ليس كرئيس فقط، بل عاشقاً يراقب، يغار، يطلب، يسقط، ثم يشيخ في دار الوالي بالمنستير بعد السابع من تشرين الثاني عام 1987.
ترسم غنيم قصص صادمة كيف ان العرش يأكل أحباءه قبل أعدائه، وخذلان أفظع من خيانة الخصم، أي خيانة الإنسان لمن أحب حين يخسره بإرادته، الاهم ان الرواية تجيب عن دور المرأة التونسية في التاريخ لا كمكياج سياسي وبروتوكولي، بل كفاعل سياسي وأخلاقي وعاطفي، لهذا فاليوم القلم النسائي الذي تمثله الدكتورة أميرة يحاول ان يعيد انتشال قصة تاء التأنيث الساكنة من أرشيف البطاركية الذكورية الذي حوّلها إلى مجرد أداة هامشية عبر استحضار روح عليسة التونسية المرأة القرطاجية القوية، وبهذا المعنى الرواية ليست سيرة سيدة أولى، بل رسالة لنساء الشرق كيف تساهم في صناعة كتابة التاريخ يتطابق مع دعوة نزار قباني: «ثوري على شرقِ السبايا.. والتكايا.. والبخُورِ، ثوري على التاريخ، وانتصري على الوهمِ الكبيرِلا ترهبي أحداً.. فإنَّ الشمسَ مقبرةُ النسورِ».
كان الإبداع الأكبر في التكنيك الهندسي للرواية، لكونها لا تسير على خطا واحدا، فابدعت الكاتبة في محطاتها من زمن الرحلة المتخيَّلة من منطقة المرسى إلى مدينة المنستير الذي لا يتجاوز ساعات بالحقيقة، وأيضا زمن السيرة الذي يمتد من لقاء الأربعينيات حتى الشريط الأخير عام 1999، عبر فلاش ديسك يسقط في خصام، ملفات سرية، ورسائل، ومحادثات، وتسجيلات صوتية، وحوارات مع «جاكلين غاسبار»، وكذلك عبر استحضار شخصية ممرضة اسمها «سعاد الكامل»، لذلك كان السرد يتوزع، وشوق القارئ يمتد لمعرفة بقية التفاصيل، والاقوى بان الوثيقة تدخل الرواية لا لتقيّد الخيال بل لتشحنه، نحو الرواية الاقرب للحقيقة وتحاول ان تستنطق مشاعر الوثيقة بروح البحث الدقيق عبر هوامش متعددة استعادت فيها الاستحضار التاريخي.
ويسجل لهذه السردية الابداع العلمي في التوثيق الذكي، وعلى الرغم في دخولها في المساحات الاكثر جدلا في التاريخ التونسي، مثل: علاقة بورقيبة بوسيلة، الطلاق الغيابي، الإقامة الجبرية، أحداث 7 نوفمبر، وما يُقال وما يُكتم خلف جدار قرطاج، لكن لا تعامل تلك الاحداث وكأن الكاتبة قاضية في محكمة التاريخ لكي تحاكم الاحداث، بقدر ما كانت تحاول ان تكون جسرا بين الأرشيف التاريخي والمخيّلة، وكما يقول «هنري كيسنجر»: «في التاريخ المفاتيح الذهبية لمشاكلنا المعاصرة لكن بشرط ان نعرف اين نضع المعول».
لا ننسى ايضا، اللغة هنا سلاح الكاتبة الأول، فكنت اعيش معها كنص موسيقي، عبر لغة سهلة ممتنعة، بليغة من غير انتفاخ، جريئة في الجانب الحميمي من غير ابتذال، وتصف لنا المشاهد، الحب، السلطة، الخذلان، والذاكرة التي لا تبرد.
«تراب سخون» بمثابة حلقة في مشروع أكبر لأميرة غنيم، عبر سلسلة روائية تستعيد فيها شخصيات صنعت الوجدان التونسي قبل أن يبتلعها النسيان، بعد رواية «العظماء يموتون في أفريل» أسابيع العزلة الأخيرة للرئيس الحبيب بورقيبة، ثم صة شخصية المفكر التنويري والمناضل التونسي البارز «الطاهر الحداد» في «نازلة دار الأكابر» تأتي هذه الرواية، فالمشروع واحد، ورغم ان الرواية ليست بديلاً عن التاريخ، لكنها الطريقة الوحيدة كي يبقى التاريخ حيّاً في الناس لا في المتاحف ومقابر النسيان وحدها.
وتبقى محاولة الاكاديمية التونسية عبر ايقاع التخييل الروائي هو الأقدر على ترميم التواريخ المبتورة وملء بياضاتها المنسية، لم تكن الرواية مجرد نبش في سيرة وسيلة كشخصية تاريخية، بل كانت إعادة اعتبار للصوت الأنثوي في فضاء السلطة.

صحيفة المدى 

عن الكاتب

د.ياسر عبد الحسين

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

ياسر عبد الحسين