ياسر عبد الحسين  ياسر عبد الحسين

آخر المقالات

جاري التحميل ...

محمد فاضل الجمالي : دبلوماسي عراقي تنبَّأ بالخطر الصهيوني قبل 82 عاماً

 د. ياسر عبد الحسين  







قبل اثنين وثمانين عاما، وتحديدا عام 1943، حين كان العالم يغلي في مرجل الحرب العالمية الثانية، وألسنة اللهب تلتهم الحدود وتذيب الإمبراطوريات، انبعث صوت تحذيري من بين صفحات كتاب صدر في القاهرة بعنوان "الخطر الصهيوني"، لم يكن على غلاف الكتاب اسم مؤلف صريح، بل حمل قناعا أدبيا بسيطا وعميقا في نفس الوقت "ابن العراق".

لمحت نسخة قديمة من هذا الكتاب لأول مرة بين مؤلفات عديدة للدبلوماسي العراقي الرفيع الدكتور محمد فاضل الجمالي في منزل نجله الدكتور عباس في الأردن، وعند انتقالي مؤخرا إلى تونس وزيارتي للمكتبة الوطنية التونسية، تبين لي وجود طبعة أخرى للكتاب، وباسمه الصريح هذه المرة وكان الكتاب ضمن مجموعة مؤلفات الدكتور التي صدرت في تونس خلال منفاه الاختياري هناك بعد الانقلاب على الملكية في العراق سنة 1958، حيث شغل الجمالي مناصب عدة في وزارتي التربية والخارجية كما تقلد منصبي وزير الخارجية ورئيس الوزراء لاحقًا، وكان من بين الشخصيات التي ساهمت في صياغة ميثاق الأمم المتحدة خصوصا ما تعلق بلجنة انهاء الاستعمار،  كما عرف بدعمه القوي لاستقلال العديد من البلدان العربية.

وفي زمن يغرق فيه العالم في ضجيج الأحداث الراهنة، كان اطلاعي على محتوى الكتاب من الأهمية ليس لاستعادة الماضي فحسب، بل لاستلهام دروس اليقظة والاستشراف، فاليوم وبعد أكثر من ثمانية عقود، يعود الكتاب ليشهد على نفسه، ليس كمجرد وثيقة تاريخية مغبرة، بل كشهادة حية على شجاعة الموقف والكلمة والإحساس العالي بالمسؤولية تجاه وضعنا الراهن.

خلف هذا الاسم المستعار كان الدكتور الجمالي كمن يخلع رداء الوزير ويلبس ثوب النذير، ومن اللافت أن غلاف الكتاب بنسخته الأولى لم يكن يحمل خريطة الأرض المحتلة وحدها، بل خريطة موسعة لأجزاء كبيرة من المنطقة، كأنه يقول للقارئ بان الخطر ليس محليًا، بل وجوديا يطال الجميع كظل غراب أسود يغشى الأفق في عموم المنطقة، وهو تحذير تاريخي مبكر قبل ان تصبح القضية تحديا كما عبر عنها محمود درويش في قصيدته "وطن يصلح للنسيان أو للذاكرة".

ويعد الكتاب إعلانًا صريحًا عن طبيعة المشروع، في زمن لم يكن فيه الكيان قد ولد بعد، وكانت الأرض المحتلة لا تزال تحت الانتداب البريطاني، فقد حذر الجمالي ببصيرة نادرة من مسار الأحداث القادمة حيث كتب: "إن الصهاينة ينوون الاستيلاء على فلسطين ثم على الدول العربية الأخرى ثم على بعض أقسام بلاد الشرق الأدنى، وهو نتيجة طويله لكتاباتهم ومؤيديهم فطالما قرأنا عن مشروع الدولة المفترضة ما بين النيل ودجلة (ص43)، كما قدم الجمالي رؤية استشرافية منذ 1943 عندما أشار: "إن سوريا والعراق هي الأهداف المباشرة التالية لنفوذ الكيان بعد فلسطين" (ص 45).

لقد ولد مؤلف الجمالي هذا في خضم الحرب، حين كان العمل في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية على نسج خيوط خططهم لإقامة دولة الكيان، بينما كان العرب لا يزالون حديثي الاستقلال منهمكين في قضاياهم المحلية أو يناضلون من أجل نيل حريتهم، وقد كتب الدكتور الجمالي لاحقا قصة تأليف هذا الكتاب فقال في مقدمة الطبعة التونسية عام 1977: "خلال الحرب العالمية الثانية اصر الانكليز على تنحيتي عن ادارة التعليم في العراق متأثرين بالوشايات الصهيونية والشيوعية حول نشاطي القومي، فنقلت خدماتي إلى وزارة الخارجية العراقية سنة  1943 ومنذ ان اصبحت مديرا عاما  في وزارة الخارجية العراقية بدأت بتتبع هذا النشاط في الولايات المتحدة الامريكية وشعرت بالخطر المحدق بالأمة العربية، فصرت بالإضافة إلى نشاطي في وزارة الخارجية 

وفي الحقل الدولي أحرر المقالات عن هذا الخطر وانشرها في الصحف العراقية بتوقيع ابن العراق"، وقد قام جورج منصور، بجمع هذه المقالات في هذا الكتاب ونشرها في مصر حيث لاقت رواجا كبيرا". ولهذا لم يكن الكتاب تحليلًا سياسيًا جافًا، بل رؤية استشرافية عبقرية، كأن صاحبه يقرأ في كف المستقبل قبل أن تتجسّد ملامحه، ولقد استشرف عميد الدبلوماسية العراقية مبكرا في مؤلفه هذا إلى اليقظة حين كتب "لأجل أن نتقي أخطارهم علينا أن ندرسهم ذاتها نظريا وعمليا وان نستخلص منها دروساً تساعدنا على مكافحتها والوقوف بوجهها" (ص 98)، وقد عمد إلى شرح مفصل لواقع هذا الكيان وتسليط الضوء على مفاهيم مهمة منها أن:  

- اليهودية دين وليست قومية، ولذلك وجب انقاذ اليهودية من خطر الصهيونية، فالصهيونية تخالف النصوص الدينية كل المخالفات بمبادئها واساليبها.

- اليهود يجب أن يكونوا ابناء البلاد التي يعيشون فيها وهم ينتمون إلى القوميات التي نشؤوا فيها، أما الصهيونية فإنها تحاول قلع اليهود من جذورهم. 

- الصهاينة في الولايات المتحدة الامريكية لهم ولاء مزدوج فهم لا يخلصون لها اخلاصا كاملا غير مجزأ، وهم لا يفكرون 

بمصلحة واشنطن ولذلك فهم لا يكترثون إن كانت مطالبهم ودعاياتهم لا تتفق ومصلحة الولايات المتحدة، وتعد هذه من نبوءات الجمالي والمتمثلة في اختطاف الكيان للولايات المتحدة الأمريكية حيث أصبح يشكل عبأ استراتيجيا عليها وخصوصا بعد حرب 2026.

ولتقييمه الصحيح للدور الأمريكي في انجاز المشروع الصهيوني فإنه خاطب واشنطن بقوله: "كل ما نرجوه هو أن يغار الأمريكان أنفسهم على الحقيقة لا سيما الذين يعرفون العرب والبلاد العربية عن كِثب سواء أكانوا من رجال السياسة أو الثقافة أو الدين وكتاب الصحف فيوقفوا الشعب الأميركي النجيب على الحقائق، ويكافحوا بذلك الدعايات المضللة إذ بذلك وبذلك فقط نأمل أن تأمن أميركا من شر التضليل الصهيوني الذي هو من أكبر أعداء الديمقراطية والسلام في العالم الجديد"  (ص 46).

ولعل من أهم ما دعا له الجمالي لمواجهة الخطر عمليا هو بناء لوبيات عربية حيث كتب: "يجب أن تشترك البلاد العربية في انشاء مراكز كبرى للدعوة والتنوير في انكلترا وأميركا فتعمل هذه المراكز على بسط القضية العربية والدفاع عن حقوق العرب في فلسطين وان هذه الدعوة يجب أن تنشر الحقيقة الواقعة وهى أن العرب ليس لهم أي عداء أو خصومة تجاه اليهود بل بالعكس أن التاريخ شاهد عدل على أن اليهود العرب عاشوا مع اخوانهم غير اليهود من العرب بكل وئام وتآخ عشرات القرون وما شكوى العرب اليوم إلا من الصهيونية السياسية العدوانية التي جاءت لتحتل قلب البلاد العربية ولتخنق الأمة العربية وهي في بدء نهضتها الجديدة" (ص100).

إن استعمال اسم مستعار ليس أمرا غير مألوف تماما، فالدبلوماسي الذي يعيش في أروقة الرسميات المكبلة بالبروتوكولات، يخلع رداء اللياقة الدولية ليلبس ثوب الحقيقة أحيانا، ويعد الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان مثالا مشابها حين نشر مقاله الشهير إبان الحرب الباردة (الاحتواء) عام 1947 بتوقيع (السيد إكس)، ليحمي منصبه من أي تبعات لما كتب ويعبّر عن وجهة نظره الحقيقية لحل الازمة بين روسيا والولايات المتحدة في آن واحد، هكذا يفعل الدبلوماسي الحكيم حين يرى خطرًا وجوديًا يقترب، يحوّل الصمت المهني المفروض إلى صرخة مدوية، ويفتح نافذة في جدار الدبلوماسية الصامتة ليدخل منها نور التحذير.

وبذلك فقد حوّل الدكتور فاضل الجمالي الدبلوماسية إلى جهاز إنذار بشري ينبض بالعقيدة الوطنية قبل أن ينبض بالمنصب، فقد امتلك توازنا دقيقا ونادرا، بين براعة التفاوض والشجاعة الأخلاقية، يعرفقواعد اللعبة الدولية جيداً، لكنّه يرفض أن يصبح أداة في يد اللعبة، يتقن لغة اللياقة، لكنه يحتفظ بحق الكلام الصادق حين تتعرض أمته للخطر الوجودي، وكما يقول جبرا إبراهيم جبرا (الحياة هي الشجاعة المتجددة ولا يبقى للجبان إلا موته المتكرر).

إن مثل الدكتور محمد فاضل الجمالي، يرى أبعد من الأفق السياسي الضيق، فيكتب ليس لشعوب الحاضر فقط، بل لأجيال المستقبل كذلك التي ستحصد ثمار الصمت أو الكلام، كان الجمالي يدرك أن الدبلوماسي بدون مبدأ يتحول إلى مجرد موظف أنيق، أما الدبلوماسي صاحب العقيدة فيصبح صوتاً للتاريخ نفسه، فقد حول هذا الدبلوماسي العريق الورق الرسمي إلى سيف، والكلمة المكتوبة إلى درع، وفي عالم يغرق في البراغماتية والمصالح الوقتية وحرب الجميع ضد الجميع، يبقى مثل هذا الرجل استثناءً يذكّرنا بأن الدبلوماسية الحقيقية ليست فن إرضاء الجميع، بل فن حماية الوطن والأمة.

إن الدكتور الجمالي لم يكتف بتقديم جهاز إنذار مبكر لأمة غافلة عن الخطر المحدق بها، إذ إن سيرته الدبلوماسية منذ ذلك الوقت لم تقتصر على الكتابة فقط، بل تعززت عبر مواقفه العملية، ومن بينها ما يذكر للجمالي من موقف لا يقل جرأة، فعندما تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بإيعاز من الرئيس هاري ترومان في 29 تشرين الثاني عام 1947 باقتراح إلى هيئة الامم يقضي بـتقسيم فلسطين اثار الجمالي بشدة موضوع شرعية هذا الاقتراح وصلاحية هيئة الامم لاتخاذ قرار بتقسيم بلد دون موافقة سكانه الاصليين، وطالب بضرورة استشارة محكمة العدل الدولية قبل الدخول في مناقشة الأمر، وقد حظي اقتراح الجمالي لصوابه القانوني بتأييد مندوبي الدول العربية والاسلامية وفي مقدمتهم فارس الخوري، مندوب سوريا وظفر الله خان مندوب باكستان ودول العالم الثالث، وقد أحدث هذا الأمر ارباكاً في الجانب الأمريكي أدى إلى استعمال الرئيس الأمريكي نفوذه الشخصي لدى عدد من دول العالم الثالث خاصة في امريكا اللاتينية لتمرير قرار التقسيم وإنشاء الكيان بأكثرية ضئيلة.

وفي النهاية، يبقى الجمالي نموذجًا يحتذى للدبلوماسي الذي فهم أن المهمة الحقيقية ليست مجرد التفاوض على الطاولات، بل إيقاظ الضمير الجماعي قبل فوات الأوان وأن الدبلوماسي المبدئي ليس مجرد ممثل للدولة، بل حارسا لضميرها. 


صحيفة الصباح العراقية 


عن الكاتب

د.ياسر عبد الحسين

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

ياسر عبد الحسين